السيد جعفر مرتضى العاملي
148
صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
وقد أدرك العبّاس بن نضلة خطورة الموقف ، ولا سيّما من قوله ( ص ) : « وتدين لكم العجم وتكونون ملوكاً » وأنّهم مقدمون على مواجهة ومقاومة ، ليس فقط مشركي مكّة ، أو الجزيرة العربيّة ، وإنّما العالَم بأسره ؛ فأحبّ أن يستوثق من الأمر ويفتح عيون المبايعين ليكونوا على بصيرة من أمرهم ، حتّى لا يقولوا في يومٍ ما : لو كنّا نعلم أن الأمر ينتهي إلى هذا لم نقدم . فقال لهم : يا معشر الأوس والخزرج ، تعلمون على ما تُقدمون عليه ؟ إنّما تُقدمون على حرب الأحمر والأبيض وعلى حرب ملوك الدّنيا ؛ فإن علمتم أنّه إذا أصابتكم المصيبة في أنفسكم خذلتموه وتركتموه ، فلا تغرّوه ؛ فإنّ رسول الله وإن كان قومه خالفوه فهو في عزّ ومنعة . فقال عبد الله بن حِزام والد جابر وأسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن الَتّيّهان : مالَكَ وللكلام ؟ يا رسول الله ! بل دَمُنا بدمك وأنفسنا بنفسك ، فاشترط لنفسك ولربّك ما شئت . « 1 » ويذكر المؤرّخون : أنّ العبّاس بن عبدالمطّلب قد حضر بيعة العقبة ، وأنّه أراد أن يستوثق لابن أخيه ، فبدأ بالكلام وقال : يا معشر الخزرج ! إنّ محمّداً منّا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ، ممّن هو على مثل رأينا ، فهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده ؛ وقد أبى إلّا الانحياز إليكم « 2 » واللّحوق بكم ؛ فإن كنتم ترون أنّكم وافون بما دعوتموه إليه ، وما نعوه ممّن خالفه ، فأنتم وما تحمّلتم من ذلك ؛ وإن كنتم ترون أنّكم مسلّموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ، فإنّه في عزّ ومَنَعَة من قومه وبلده . « 3 »
--> ( 1 ) 1 . راجع : البحار ، ج 19 ، ص 12 و 13 عن إعلام الورى وراجع : دلائل النبوة للبيهقي ، ج 2 ، ص 450 ( ط . دار الكتب العلميّة ) وتاريخ الخميس ، ج 1 ، ص 318 ، والسيرة النبوية لابن هشام ، ج 2 ، ص 88 ، والبداية والنهاية ، ج 3 ، ص 16 ، والسيرة النبوية لابن كثير ، ج 2 ، ص 201 ( 2 ) 2 . انحاز إليه : مال ( 3 ) 3 . إنّ ما نسب إلى العبّاس بن عبدالمطّلب في هذا الموقف ، لا يصدر إلّا عن مسلم مؤمن تامّ الإيمان ؛ مع أنّه بقي على شركه إلى وقعة بدر وخرج لحرب النّبيّ ( ص ) فيها مُكرَهاً وأسلم . والّذي نرجّحه : هو أنّ الّذي كان حاضراً في بيعة العقبة وتكلّم بكلام يهدف منه إلى شدّ العقدة له ( ص ) هو العبّاس بن نضلة الأنصاري ( راجع : الإصابة ، ج 2 ، ص 271 ، والبحار ، ج 19 ، ص 12 ، والسيرة الحلبيّة ، ج 2 ، ص 17 ، والسيرة النبوية لدحلان ، ج 1 ، ص 153 ) وليس العبّاس بن عبد المطّلب ؛ ولذا يلاحظ مدى التّشابه بين كلاميهما المنقول والمنسوب إليهما ؛ فلعلّ الأمر قد اشتبه على الرّاوي بين العبّاسين ، لتشابه الإسمين ؛ أو لعلّ العبّاسيّين أرادوا إثبات فضيلة جليلةٍ لجدّهم بهدف الحصول على مكاسب من نوع معيّن ؛ ولعلّ ، ولعلّ .